سيد محمد طنطاوي

482

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وخيانة امرأة نوح له ، كانت عن طريق إفشاء أسراره ، وقولها لقومه : إنه مجنون . وخيانة امرأة لوط له ، كانت عن طريق إرشاد قومه إلى ضيوفه . . مع استمرار هاتين المرأتين على كفرهما . . . قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( فَخانَتاهُما ) * أي : في الإيمان ، لم يوافقاهما على الإيمان ، ولا صدقاهما في الرسالة . . وليس المراد بقوله : * ( فَخانَتاهُما ) * في فاحشة ، بل في الدين ، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة . . . وعن ابن عباس : قال : ما زنتا ، أما امرأة نوح ، فكانت تخبر أنه مجنون ، وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل على قومها على أضيافه . وفي رواية عنه قال : كانت خيانتهما أن امرأة نوح ، كانت تفشى سره ، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به ، وأما امرأة لوط ، فكانت إذا أضاف لوط أحدا ، أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّه شَيْئاً وقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) * بيان لما أصابهما من سوء العاقبة بسبب خيانتهما . أي : أن نوحا ولوطا - عليهما السلام - مع جلالة قدرهما ، لم يستطيعا أن يدفعا شيئا من العذاب عن زوجتيهما الخائنتين لهما ، وإنما قيل لهاتين المرأتين عند موتهما . أو يوم القيامة ، ادخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة الفجرة . . وقوله * ( شَيْئاً ) * منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله : * ( يُغْنِيا ) * ، وجاء منكرا للتقليل والتحقير ، أي : فلم يغنيا عنهما شيئا من الإغناء حتى ولو كان قليلا . . . وقوله : * ( مَعَ الدَّاخِلِينَ ) * بعد قوله : * ( ادْخُلَا النَّارَ ) * لزيادة تبكيتهما ، ولتأكيد مساواتهما في العذاب مع غيرهما من الكافرين الخائنين الذين لا صلة لهما بالأنبياء من حيث القرابة أو ما يشبهها . ثم ضرب - سبحانه - مثلا للمؤمنين فقال : * ( وضَرَبَ اللَّه مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ) * وهي آسية ابنة مزاحم ، التي لم يمنعها ظلام الكفر الذي كانت تعيش فيه في بيت فرعون ، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها . . عن أن تطلب الحق ، وتعرض عن الباطل ، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطغيان .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 198 .